أحمد بن علي القلقشندي
66
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إليها ينتهي الفضل ، وعندها تقف الرغبة » . ومن كلام أبي جعفر « الفضل بن أحمد » ( 1 ) في جملة رسالة « الكتابة أسّ الملك ، وعماد المملكة ، وأغصان متفرّقة من شجرة واحدة . والكتابة قطب الأدب ، وملاك الحكمة ، ولسان ناطق بالفصل ، وميزان يدل على رجاحة العقل . والكتابة نور العلم ، وفدامة ( 2 ) العقول وميدان الفضل والعدل . والكتابة حلية وزينة ولبوس وجمال وهيبة وروح جارية في أقسام متفرّقة ، والكتابة أفضل درجة وأرفع منزلة ، ومن جهل حق الكتابة فقد وسم بوسم الغواة الجهلة ؛ وبالكتابة والكتّاب قامت السياسة والرياسة ، ولو أن فضلا ونبلا تصوّرا جميعا تصوّرت الكتابة ، ولو أن في الصناعات صناعة مربوبة لكانت الكتابة ربّا لكل صنعة » . قال صاحب موادّ البيان ( 3 ) : ومن المعلوم أنّ جميع الصنائع وسائل إلى درك المطالب ونيل الرغائب ، وأن عوائدها متفاضلة في الكثرة والقلة بحسب تفاضلها في الرّفعة والضّعة ؛ إذ كان منها ما لا يفي بالبلغة من قوام العيش : نحو الصنائع المهينة السّوقيّة الداخلة في المرافق العامية ، ومنها ما يوصل إلى الثروة ويجاوز حدّ الكفاية ويحظى بالمال والنّعم الخطيرة وهي الصنائع الخاصّة ؛ وإذا تؤمّل ما هذه صفته منها علم أنه ليس منها ما يلحق بصناعة الكتابة ولا يساويها في هذا النوع ، ولا ما يكسب ما تكسبه من الفوائد والمعاون مع حصول الرّفاهية والتنزه عن دناءة المكاسب ، ولا ما يوصل إليه من الحظوية ورفاهية العيش ومشاركة الملوك في اقتناء المساكن الفسيحة ، والملابس الرفيعة ، والمراكب النبيلة ، والدوابّ النفيسة ، والخدم المستحسنة
--> ( 1 ) أبو جعفر ، الفضل بن أحمد بن عبد اللَّه أمير المؤمنين المسترشد باللَّه بن المستظهر بن المقتدى ؛ بويع بالخلافة سنة 512 ه . ( فوات الوفيات 3 / 179 ) . ( 2 ) الفدامة هنا بمعنى المصفاة ( البستان 2 / 1787 ) . ( 3 ) في كشف الظنون : 2 / 1888 « موارد البيان » لعلي بن خلف الكاتب .